عباس حسن
398
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
الأول ( وهو التعاون ) تمييزا منصوبا ؛ فنقول : فلان أكبر تعاونا من أخيه ، أو : أكثر تعاونا ، أو : أنفع تعاونا ، أو : أقل . أو : أضعف ، . . . أو ما شاكل هذا مما يساير المعنى . والفعل : « خضر » لا يصاغ من مصدره مباشرة « أفعل » للتفضيل ؛ لأنه يدل على لون ظاهر ؛ فنصوغه - بالطريقة السالفة ، « غير المباشرة » - من مصدر فعل آخر مناسب ، ونجعل بعد « أفعل » مصدر الفعل الأول ، وهو : « الخضرة » منصوبا على التمييز . فنقول : ورق الليمون أشد خضرة من ورق القصب . . . « 1 »
--> ( 1 ) ومن المسموع في الألوان : « أسود من حلك الغراب » - « أبيض من اللبن » ، وكل هذا من الشاذ عندهم ؛ يحفظ ولا يقاس عليه . وحكم الشذوذ هنا غير مفهوم ما دامت الكلمة نفسها قد استعملت صيغتها نصّا في المفاضلة اللونية ؛ فهل يراد عدم التوسع في استعمالها في سواد شئ أو بياض شئ غير الشئ الذي وردت فيه نصّا ؟ نعم ، وهذا تضييق لا داعى له . بل إن منع التفضيل من كل ما يدل على لون تضييق لا داعى له أيضا ، ولا سيما بعد ورود السماع به واشتداد الحاجة إلى القياس على ذلك الوارد ، بسبب ما كشف عنه العلم في عصرنا ، ودلت عليه التجربة الصادقة من تعدد الدرجات في اللون الواحد ، وفي العاهة الواحدة ، وتفاوتها تفاوتا واسع المدى كالمعروف اليوم في البياض ، والحمرة ، والخضرة ، والسواد . . . وسائر الألوان . وكذلك المعروف عند الأطباء في العاهات ، كعاهة العمى - مثلا - فمنه عمى الألوان ، وعمى الضوء . . . و . . . وكذا أكثر العاهات . وكل ما سبق يقتضى التفضيل بين درجات اللون الواحد - أحيانا - والعاهة الواحدة أو العيب الواحد أيضا . ومثل هذا يقال في للتعجب - كما سبق في بابه . - والحجة التي يحتجون بها لمنعه - ( وهي : أن صيغة « أفعل » هي أيضا صيغة الصفة المشبهة القياسية للألوان ؛ فيلتبس الأمر بين المعنيين ) - حجة واهية يمكن دفعها بالقرائن ، ومنها : « من » الداخلة على المفضل عليه في مثل : فلان أبيض من فلان ، وهذا الزرع أخضر من ذاك » ؛ فيكاد يمتنع اللبس في هذا النوع من التفضيل الذي يشتمل أسلوبه على كلمة : « من » هذه . نعم قد تشتبه أحيانا بكلمة : « من البيانية » ، ولكن هذا الاشتباه يمكن دفعه أيضا ، والتغلب عليه بالقرينة التي تزيله . وكذلك الشأن في النوعين الآخرين من أنواع « أفعل التفضيل » وهما : « المقرون بأل » ، و « المضاف » فإن احتمال اللبس فيهما قليل ، وهو على قلته مما يمكن دفعه بالقرينة التي تحدد الغرض ، وتوجه - في كل ما سبق - إلى أحد المعنيين دون الآخر ؛ كما يحصل في غير هذا الباب ، وبخاصة بعد موافقتهم على قياسية المعنوي ( الذي سيجئ الكلام عليه بعد هذا مباشرة ) ، ومن ثمّ كان المذهب الكوفي الذي يبيح الصياغة من الألوان وللعيوب والعاهات أقرب للسداد واليسر . وعليه قول المتنبي : - وهو كوفي - في الشيب : ابعد ، بعدت بياضا لا بياض له * لأنت أسود في عيني من الظّلم -